موجز تحقيق و نقد كتاب «الوجوه والنظائر» تأليف الشيخ أبو هلال العسكري
جـامـعـة طـهـران: كلية الإلهيات و المعارف الاسلامية
رسالة الدكتوراه: بإشراف الدكتور محمّد باقر حجتي
تحقيق: كاظم مرتضى العسكري
بحمدكَ الّلهُمَ نستعينُ، وبالصلاةِ على نبيكَ نستهلمُ التوفيقَ لِما يقتضيهِ الدِّينُ. أمّا بَعدُ فقد قال العَمادُ الاصفَهانىُّ: إنّي رأيتُ أنَّه لا يكُتبُ إنسانُ كِتاباً في يَومهِ إلا قالَ في غَدهِ: لَو غُيرَّ هذا لكانَ أحسَن، وَلَوْ زِيدَ كَذا لكانَ يُسْتَحسنُ ولَو قُدِّمَ هذا لكانَ أفضَلَ، وَلو تُرِكَ هذا لكانَ أجْمَلُ، و هذا من أعظَمِ العِبَرِ، وهوَ دليلٌ على استيلاءِ النقصِ على جُمْلَةِ البَشَر. العماد الاصفهانىفهرس المقالة
- التمهيد
- مقدمة المقالة
- حول المُؤلف (أبو هلال العسكري)
- كتاب الوجوه و النظائر
- عملنا في هذا الكتاب
- مقدمة المؤلف
- المصادر
التمهيد
كان القرآن عبر القرون ولايزال وسيبقى محل اهتمام المسلمين، ومن قبل كل المذاهب والفرق الاسلامية. ولا فرق في ذلك بين عربي وعجمي. ومن مظاهر اهتمام المسلمين بالقرآن هو إقبالهم على حفظ القرآن وتلاوته “آناء الليل وأطراف النهار» وحفظه في صدورهم كما كانوا يحفظون القصائد والخطب في الجاهلية بما حباهم الله من قوة الحافظة وسرعة الذاكرة. وكانوا يتفاخرون في حفظ القرآن، لما كان لحفظ القرآن من منزلة عندهم، إذ كان التفاضل بين المسلمين هو حفظ القرآن وقراءته وتلاوته وتعلمه وتعليمه. والمسلمون من أصحاب الرسول (ص) كانوا يفهمون ويعون مايتلونه من آي الذكر الحكيم لأنهم كانوا حديثي عهد بالقرآن ونزوله وشأن نزول آياته وسوره. وكلما ابتعد المسلمون عن عصر الرسالة وزمن نزول القرآن أصبح فهم بعض آيات القرآن صعباً، ولذلك كانوا يرجعون لفهم الآيات الى أصحاب الرسول ويسألونهم عن معانيها وشأن نزولها ومعاني مفرداتها وغير ذلك. ومن بعد الصحابة أخذوا علومهم من التابعين وتابعي التابعين. وبعد مضي أكثر من قرن ولكثرة ماروي عن الرسول والصحابة والتابعين من معاني الآيات وتفسيرها، احتاج المسلمون الى من يرشدهم الى معاني الآيات وتفسيرها، وناسخها من منسوخها، وعامها وخاصها وظاهرها من باطنها وغير ذلك لذلك صنف العلماء وحملة القرآن وحملة علومه رسائل وكتباً، وبعضهم الف موسوعات في تفسير القرآن وعلومه. ومن تلك التفاسير ما اعتمد على المأثور من أحاديث الرسول (ص) كتفسير الطبري، والآخر على التفسير اللغوي كالزمخشري وبعد مرور فترة من الزمن اعتمد بعض العلماء في تفاسيرهم على مواضيع آيات القرآن الكريم ليسمى بعد ذلك بالتفسير الموضوعي. و نتيجة لذلك نشأت علوم للقرآن. علوم للقرآن لم تكن قبل ذلك معروفة لدى المسلمين كعلم “الوجوه والنظائر». و قد الف في هذا الفن كتب ورسائل عديدة ومنها كتاب (الوجوه والنظائر) لأبي هلال العسكري وغيرها من الكتب والمصنفات الأخرى.مقدمة المقالة
الحمد لله الذي خلق الانسان ثّم علمه البيان والحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم وأفضل الصلاة وآجمل التحتات الزاكيات على خير عبادك وخيرتك من خلفك سيدنا ونبيّنا خير الأنام وخاتم الأنبياء والمرسلين محمّد وعلي آله وصحبه الميامين وأزواجه البَواري، خير التحية والسلام وبعد ففد خلق الله الخلق بقدرته وصوّر المخلوقات بمشيئته وخلق الجن والانس لعبادته، كما قال العزيز الحكيم في محكم كتابه الكريم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)[1] و قد فضل الله الإنسان على سانر مخلوقاته، بقوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا)[2] وأعطاه ما لم يعط بعض المخلوقات من السمع والبصر والفؤاد: (إِنَّا خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِنْ نُطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)[3]، و (... وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[4] ثّم جعله مسؤولا على قدر مااعطاه ووهبه: (... إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا)[5] بعد أن هيأه لحمل رسالنه التي خصّه الله بها: (إِنَّا عَرَضْنَا الاَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الاِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا)[6] وجعله مخنارآ في ارادنه وحرّاً في تصرفاته ء بخلاف سائر مخلوقاته: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)[7] و لم بجبره على اختيار مااختاره له من نظام و دين و شريعة قويمة: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَىِّ...)[8] بل قال: (...ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)[9] و قد هداه - خالقه - إلي ذلك الدين فطريأ، بأن جعله يتتبع علل الأشياء وأسبابها بما أودع فيه من قوة العقل وغريزة حب الإستطلاع وحب المعرفة والبحث عن الأسباب ومسبب الأسباب حتى يصل إلي معرفة واجب الوجود، بعد التفكر والتعقل كما قال سبحانه في الآية الكريمة: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ...)[10] فإنه لن يجد (... فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت...)[11] بل يقول الذين آمنو: (... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ...)[12] ويجد بعد جهد جهيد ولأي بعيد أن الهدف من الخلقة والخلق هو العبادة والطاعة والتسليم لأمر الله بعد الاختبار والابتلاء والامتحان العسير كما قال سبحانه: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[13] وفي كل ذلك - بدون شكّ - طي لطريق الكمال، اذ أن كمال كل مخلوق في عبادة خالقه واطاعته وكل مخلوق - كما نعلم - يعبد الله بالكيفية التي هداه اذا انه هو: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)[14] وهو الذي: (يُسَبِّحُ - له - مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْض...)[15] (...وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ... )[16] و قد هدى الله خلقه لطاعته وعبادته، كل مخلوق حسب خلقته ومنتاسبا مع فطرته. فهداية غير الانسان تكون الهاما ووحيا كما عبّر عنه سبحانه بقوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَررَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ...)[17] وهكذا بقية الحيوانات اما الجمادات والكواكب والسيارات والارض والسماء فهداها تسخيريا وبعد ان خلقهن: (... اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلاَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ....)[18] و كذلك: (...وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَل مُسَمّىً...)[19] أما الإنسان، فقد أتم الله الحجّة عليه ببعثه الرسل لهدايته وإرشاده و إ بلاغ أوامر الخالق ونواهيه، وذلك من أجل ايصاله الى درحة الكمال. و قد بلغ الرسـل (.. رِسَالاَتِ اللهِ...)[20] من أولهم آدم (ع) حتي أخرهم خاتم النبيين محمّد (ص) و قد بلغ الرسول (ص) أمته ما أوحاه الله إليه، في القرآن والسنة النبوية الشريفة و لكن البشر بطبيعته و كما عبرعنه خالقه: (... إِنَّ النَّفْسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي...)[21] كان يحرف دين الله، أحكامه وعقائده.وكان التحريف - في الأمم - يصل الى حد لا يتمكن الإنسان أن يعمل بأحكام وعقائد ذلك الدين الذي جاء به النبي أو الرسول فكان من لطف الله على عباده أن يجدد دينه بإرسال نبي أو رسول آخر، ليبين ما خفي من أحكام الله وتعاليمه ويفرق بين الحق والباطل ويميز المحرّف عن الصحيح. ولم يكن هذا الأمر - التحريف - يخصّ أمّة دون أخرى، بل كان ذلك دأب البشرية على مر العصور. ولم تكن أمّة خاتم الرسل بدعاً في الخلق فهي كسالفتها من الأمم طالت بالتحريف، الدين الإسلامي الحنيف، تعاليمه، عقائده وأحكامه. و قد نبّأ بذلك الرسول الكريم (ص) في الأحاديث المروية عنه في متابعة هذه الأمّه ألأمم السابقة في كل ما فعلوه حذو القذّة بالقذّة، وشبرآ بشبر، وذراعآ بذراع. ونحن نقتصر على ذكر بعض منها والتّي وردت في كتب حديث الفريقين: ۱ - عن الإمام جعفر ين محمد الصادق، عن آبائه عليهم السلام، قال، قال رسول الله (ص): «كل ماكان في الأمم السالفة فإنه يكون في هذه الأمّة مثله، حذوالنّعل بالنّعل والقذّة بالقذّة»[22] ۲ - عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (ص) قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرأ بشبر و ذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ، تبعتموهم)). قلنا يا رسول اللة ! اليهود والنصارى؟ قال: “فمن؟»[23] ۳ - عن أبي هريرة، عن النبي (ص): «لا تقوم الساعة حتي تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر وذراعأ بذراع». فقيل يا رسول الله: كفارس والروم؟! فقال (ص): (ومن الناس إلا أولئك؟)[24] ۴ - عن أبي هريرة ايضآ - عن النبي (ص): “والّذي نفسي بيده، لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع وباعاً فباعاً حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه”[25] ۵ - عن عبدالله بن عمرو، قال، قال رسول الله (ص): «ليأتين علي أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل حتّى إن كان في اسرائيل من أتى أمّه علانية لكان في أمّتي من فعل ذلك”[26] ۶ - عن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله (ص): “أنتم أشبه الأمم ببني اسرائيل، لتركبنّ طريقهم حذو القذّة بالقذّة، حتى لا يكون فيهم شي إلأ فيكم مثله...)[27] ۷ - عن المستورد بن شداد، أن رسول الله (ص) قال: «لاتترك هذه الأمة شيئاً من سنن الأولين حتى تأتيه»[28]. ۸ - عن شداد بن أوس عن رسول الله (ص): “ليحـملنّ شرار هذه الأمّة على سنن الذين خلوا من قبلهم أهل الكتاب حذو...»[29]* * *
مما ذكرنا، يتضح أن هذه الأمة - أمة خاتم الأنبياء - كسابقاتها من الأمم حرفت دين الله عقائده واحكامه. وبما أن الله قد اقتضت حكمته ومشيئته ختم النبوات وارسال الرسل الى البشرية. لذلك فقد اوحى لخاتم انبيائه أصول الاسلام وكلياته والمناهج العامّة للشريعة الاسلامية في القرآن الكربم آمّا شرح وببان وتفصيل ذلك ففي السنّة النبوية الشريفة. وبما إن الآيات القرآنية منها: (...آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...)[30] فقد عزا بيانها وتفسيرها بوحي غير قرأني، الى رسوله الكريم بقوله تعالى (...وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ...)[31] وقال عز وجل في تأييد قول الرسول وحديثة (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى )[32] و قد فسر الرسول الأكرم (ص) الآيات، وبين ناسخها من منسوخها - إن كان فيها ناسخ ومنسوخ -[33] وعين خاصّها وعامّها وشرح محكمها ومتشابهها لعامّه المسلمين ولكل من حضره منهم وبين كلّ ذلك واستودع كذلك علم خاصّها وعامّها ومطلقها ومفيدها وشآن نزولها عند العترة الطاهرة أهل بيته عليهم السلام. و قد اكد على ذلك في احاديث متعدده وأشهرها حديث الثقلين. حيث قال (ص): إني تارك فيكم الثقلين أو تقلين - وفي رواية: أمرين - كتاب الله وعترتي اهل بيتي...[34].* * *
وكان من آثار اتساع اللغة العربية وكثرة استعمال الألفاظ والمفردات المتشابهة والمعاني المشتركة لفظاً أو العكس، وغير ذلك، كلّ ذلك أدى بتفسير بعض الآيات القرأنية إلى معاني وتأويلات غير ما فسّر وبيّنها الرسول الأكرم (ص). وكان ذلك من أهم عوامل اختلاف الأمة وتحزبها شيعآ وطوائف ومذاهب مختلفة، بحيث أصبح لكل فرقة حسب فهمها ونفسيرها وتأويلها للنصوص والآيات القرآنية رؤية خاصة تخالف وتعاكس تماماً رؤية الفرقة الأخرى سواءً كان الاختلاف في الأحكام أو في العقائد او فى المسائل والامور الأخرى. من ذلك اشتراك المعاني واللفظ واحد، واختلاف المعاني أو تضادها واللفظ واحد. فمن اشتراك المعاني واللفظ واحد، مثلا: اليد والعين وغيرها فإن اليد تستعمل للعضو الحيواني: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَاجزاءً...)[35] وتستعمل لمعان أخرى، كقوله تعالى: (...قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَااللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[36] وقوله (...حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ)[37] وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...)[38] وقوله: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَششَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ...)[39] وقوله: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ و قد فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ....)[40] وقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ...)[41]. و كذلك العين، فتستعمل للعضو الحيواني كقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ...)[42] وتستعمل لمعان أخرى كقوله: (وألقيتُ عليكَ محبّةً منّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي....)[43] وقوله (وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا...)[44] وقوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْن حَمِئَة...)[45] وقوله: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)[46] وقوله: (تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْن آنِيَة)[47] وقوله: (لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)[48] اذن، فاليد والعين في كل اية من الآيات الانفة الذكر تدل على معنى غير المعنىً الذي استعمل في الاية الاخرى و كذلك - من الأسباب - مخالفة الالفاظ معانيها، وتضاد المعاني في اللفظ الواحد. فمن مخالفة الالفاظ معانيها، قولهم: فلان يتحنّث، أي يفعل فعلاً يخرج به من الحنث، وفلان يتنجس، اذا فعل فعلاً يخرجه من النجاسة. ويتحوب، اذا فعل مايخرجه من الحرج والحوب، وفلان يتهجد..[49] ومن أمثلة تضاد المعاني في اللفظ الواحد: القرء بمعنى الطهر والحيض والشّعب، بمعنى الجمع والفرقة[50] والسُّدفه، بمعنى الضوء والظلمه والمأتم، بمعنى الفرح والحزن[51]. و وراء، بمعنى خلف و قدام والهاجد، بمعنى النائم والقائم المصلّي والمتهجد بالليل[52] أضف الى ذلك - من أسباب الخلاف - منعهم من نشر حديث الرسول (ص) وروايته وكتابته: فما منعوا كتابة حديث الرسول في زمن حياته (ص) ما قاله عبدالله بن عمرو العاص في هذا الصدد كنت أكتب كل شي أسمعه من رسول الله (ص) فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شي سمعته من رسول الله (ص) ورسول الله (ص) بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأمومأ بإصبعه إلى فيه وقال: “أكتب، فو الذي نفسي بيده ماخرج منه إلاّحق”[53] ومما منعوا المسلمين من نشر ورواية حديث الرسول (ص) بعد وفاته مارواه الذهبي، وقال: إن ابا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها ۰والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئأ، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه[54] و كذلك الأمر كان على عهد الخليفة الثاني فقد روى ابن سعد بسنده عن عبد الله بن العلاء انه قال: سألت القاسم يملي أحاديث علي، فقال ان الاحاديث كثرت على عهد عمر ابن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها[55] وروي عن قرظة بن كعب، أنه قال: لمّا سيّرنا عمر إلى العراق مشى معنا إلى صرار، ثّم قال: أتدرون لم شيعتكم؟ قلنا: أردت أن تشيعنا و تكرمنا، قال: إن مع ذلك لحاجة، إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله (ص) وأنا شريككم قال قرظة: فما حدثت بعده حديثأ عن رسول الله (ص)[56]* * *
ما ذكرنا من الأسباب الآنفة، وغيرها مما أعرضنا عن ذكرها، كل ذلك أدى الى اختلاف المسلمبن فيما بينهم وتشتتهم إلى فرق وشيع وأحزاب متعددة، (...كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)[57] كالأشاعرة والمعتزلة و الجهمية والقرامطة والمجسّمة ومعطلة الصفات و الكيسانيّة و الزيدية والإسماعيلية والأصوليين والأخباريين وهلم جرّا... وهذا هو التحريف في هذه الأمّة والذي أخبر عنه نبينها الكريم (ص) بأحاديث متواترة في كتب الفريقين، كما مرّ ذكره. وهو التحريف الذي طال السنّة النبوية فقط. أمّا القرآن الكريم فلم تصل إليه يد التحريف، ولم ولن يحرف بما ضمن الله حفظه وصيانته من التحريف بقوله عزّ من قائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[58] وبما قيض له سبحانه وتعالى العترة الطاهرة من أهل بيت نبيه عليهم السلام لحفظ القرآن من التحريف، فهم صنو القرآن[59] وعدله وهما الثقلان اللذان أوصانا بهما رسول الله (ص) قبل وفاته في غدير خم بقوله «ألا أيها الناس ء فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي، فأجيب.وإني تارك فيكم ثفلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به....، وأهل بيتي...”[60] وفي رواية اخرى، قال (ص) «إني تارك فيكم، ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي. أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)[61] أما العترة - أهل البيت عليهم السلام - فلم يبق منهم غير إمام غائب ينتظر أمر السماء، ليقوم بأمر الله، ويملا الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلمآ وجورآ[62] وأما القرآن الكريم، المعجزة الحيّة - والحمد لله - فهو بين أيدي المسلمين وبين ظهرانيهم حجّة ظاهوة قائمة للمسلم وغيره.القرآن الذي قال الله سبحانه وتعالى فى وصفه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ....)[63] وقال الرسول الكريم (ص): «القرأن هو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم فيه خبر من قبلكم ونبأ ما بعدكم...» وفي رواية أخرى قال (ص): «...ولا يخلق عن كثرة الرد. ولاتنقضي عبَره ولاتفني عجائبه...». وفي ثالثة، قال (ص): “إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته مااستطعتم... ولا تنقضي عجائبه...»[64] وقال وصي الرسول عليهما افضل التحية والسلام: “إن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق. لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه. ولاتكشف الظلمات إلأ به»[65] نعم إن فى القرآن علماً جمّاً، فهو الكنز الّذي لا تفنى علومه ولا تنقضي عجائبه ولا يستطيع على جلّه أحد، ممهما بحث الباحثون، وحقق العلماء والمحققون.* * *
و إذا استقرأنا تاريخ العلوم الإسلامية منذ القرن الأول الهجري حتّى عصرنا الحاضر، لوجدنا أن كثيراً من العلماء والباحثين حققوا وبحثوا وكتبوا وصنّفوا حول القرآن الكريم وعلومه. فمنهم من كتب رسالة أو صنف كتاباً أو ألف موسوعة في ذلك. ووجدنا - ايضاً - أن قسمأ ممّا كتب وصنف حول القرآن الكريم، ضاع في حوادث حرق وإتلاف المكتبات في الغارات والمعارك التي دارت بين الفرق والمذاهب الإسلامية[66] والقسم الاخر منه سلم. وما سلم وبقي - بعد تلكم الحوادث والمعارك - طبع بعضه، والآخر لايزال مخطوطاً، ولمّا يطبع ومما لم يطبع ولم ينشر منها، فهو حبيس الزنزانات المكتبية، والخزانات الخاصة بحفظ الكتب الخطيّة، سواء في المكتبات المركزية أم الوطنية أم في المكتبات الخاصّه. ولا يعلم بوجودها إلأ بعض العلماء والمحققين، أو الموظفين المسؤولين عن حفظها وصيانتها، وبعض من له علاقة خاصة بجمعها والاحتفاظ بها. ومن نو ادر هذ۰المخطوطات الحبيسة: كتاب ( الوجوه والنظائر ) المعروف بـ (وجوه القرآن ونظائره) لمؤلفه العلامة الأديب الشيخ أبو هلال العسكري من أعلام القرن الرابع الهجرى، وهو الكتاب الذي بين أيدينا وموضوع دراستنا في ما يأتي:حول المُؤلف (أبو هلال العسكري)
الكُنية وَالاسم وَاللقَبُ
هو أبو هلال، الحسن بن عبدالله بن سعيد بن يحيى بن مهران[67] بن أحمد[68] اللغوي[69] الأديب[70] البغدادي[71] العسكري والـعسكـري، نسبـة إلى العسكر، بمعنى الجمع والكثير من كل شيئ، فارسي[72] وعسكر القوم: تجمعوا، والموضع منه معسكر[73] وعسكر فلان في محل كذا اتخذ المكان محلا لتجمّع جيشه، كما قيل: عسكر المهدي - الخليفة العباسي - وكانت الرصافة[74] تعرف بـ (عسكر المهدى) لأنه عسكر به حين شخص إلى الري فلما قدم من الرى نزل الرصافة، وذلك سنة ۱۵۲ هـ.[75] وعسكر، محلة بنيسابور ومحلة بمصر، ومنها محمد بن علي والحسن بن رشيق العسكريان. وإسم سر من رأى، وإليه نسب العسكريان: - الإمام - أبوالحسن علي بن محمد وولده - الإمام - الحسن بن علي العسكري. و قد بناها المعتصم بعد أن نقل عسكره من بغداد إليها[76]. ومحلة بخوزستان، منه الحسن[77] ابن عبدالله و الحسن بن عبد الله الأديبان[78] العسكريان. وقال بن خلكان : ، عسكر مكرم، بضم الميم وسكون الكاف، بلد مشهور من نواحي خوزستان[79]. ومدينة من كور الأهواز[80] و قد روى البلاذري فى نسبة عسكر مكرم روايتين، موجزهما: الرواية الأولى: إن مطرف بن سيدان الباهلي مدير شرطة مصعب بن الزبير والي العراق لأخيه عبدالله بن الزبير، قتل النابئ بن زياد بن ظبيان، لأنه قطع الطريق مع رجل من بني نمير، فجمع أخو النابئ - عبيد الله بن زياد - جمعاً وتوجه يريد مطرفاً، فالتقيا فقتل عبيد الله مطرفاً، فبعث مصعب مكرم بن مطرف في طلبه فسار حتى صار إلى الموضع الذي يعرف اليوم بـ (عسكر مكرم)، فعسكر بالمكان ولم يلق عبيد الله بن زياد.....، ونسب المكان إلى مكرم بن مطرف الباهلي هذا. وقال في الثانية: ويقال: إن مكرم بن الفزر، أحد بني جعونة بن الحارث بن نمير الذى وجهه الحجاج لمحاربة خرزاد بن ياس حين عصى ولحق بأيذج[81] وتحصن فى قلعة تعرف به، وعندما ظفر به مكرم هذا، بنى تلك المدينة، فنسبت إليه[82] وقال السمعاني وابن الأثير وابن خلكان: إن عسكر مكرم، نسبة إلى مكرم بن مطرف الباهلي، دون أن يذكروا سنداً لما يروون[83] و قد أخذ الحموي بالرواية الثانية ولم يذكر سنده فيها ايضا[84] وعليهم إعتمد فى هذه النسبة، كل من جاء بعدهم وترجم للعسكريين أبي أحمد الحسن عبد الله بن سعيد، وأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل صاحب الترجمة[85]نشأته، حياته، فضله و علمه
ولد فى مدينة عسكر مكرم والتي ينسب إليها ونشأ فيها[86] ولم يتطرق من ترجم له من المتقدمين لحله وارتحاله، أو انتقاله من بلده إلى آخر. أما من المتأخرين، فقد قال محقّقا كتاب الصناعتن: وانتقل منها - عسكرمكرم - إلى بغداد والبصرة[87] وقال الدكتور طبانة خلاف ذلك: إنه - أبا هلال - قضى أكثر حياته فى عسكر مكرم.والظاهر أنه لم يبرحها أكثر عمره. ولا نجد فى مصدر من المصادر التي بين أيدينا شيئاً عن تنقله أو انتجاعه بلداً آخر، كما نقرأ عن أبي أحمد. ولا نجد فى شعره ما يدل على ذلك، سوى ذكره (قصران)، التي قضى فيها شطراً من شبابه، وفيها يقولسقى الله لي قصراً بقصران مونقأ *** سحبت في اللهو أعطاف مئزرى
كأن سقيط الثلح في جنباته *** صفائح كافور على طود عنبر[88]
وقال الحموي بترجمته (قصران): هما ناحيتان كبيرتان بالرّي، فى جبالها. فيهما حصن مانع يمتنع على ولاة الري.... وقصران، أيضأ مدينة بالسند، عن الحازمي والقصران - بالألف واللام - تثنية القصر - وهما قصران بالقاهرة، وكان..... والقصران، أيضاً مدينة السيرجان بكرمان، كانت تسمّى ۰ القصرين[89] وقال الفيروز آبادي: قصران: ناحيتان بالرّي والقصران: داران بالقاهرة[90] والظاهر أن (قصران) التى جاءت فى شعر أبي هلال هي ناحية بالري وليس القصران اللتان فى القاهرة، كما يفهم ذلك من شعره ولم أجد ترجمة مفصلة عن حياة أبي هلال في ما راجعت من كتب تراجم العلماء. و قد قال الدكتور طبانة في هذا الصدد وإذا طالعنا ترجمة حياة أبي هلال في مظانها لم نظفر من المعرفة بها إلا بـالقليـل الـذى لاينقع غلّه، ولا يطفئ ظماً، على أن أكثر كتب الأخبار أغفله إغفالاً[91] ولعل علة ذلك أن أبا هلال عاش حياته مغموراً خامل الذكر، فلم يلحظ بما هو خليق به من المجد ونباهة الشأن، كما حظي غيره من العلماء والأدباء في العصر الذي عاش فيه، وإن كان قد حظي ذكره بعد موته بالخلود فيما ألف وصنف. و قدره النّاس بعد موته مالم بكونوا يقدرونه في حياته، واعترف له العلماء بالنبوغ والسبق. ويقول الدكتور طبانة في هذا الصدد: إن أبا هلال لم يكن من اسرة لها شأن في سياسة أو رياسة أو ولاية، وإن كان لبعض رجالها مجد علمي حفظه الزمن، ومثل تلك المناصب والأعمال ترفع أصحابها والمنتسبين إليها وتجعلهم مناط أمال وملتقى مدائح الشعراء[92] ونرى الأمر على العكس، في ترجمة سميّه وخاله أبي أحمد العسكري، فقد كتب عنه مفصلا كل من تصدى لترجمته من الفريقين، كياقوت الحموي وابن خلكان[93] من المتقدمين والشيخ عباس القمي والسيد محسن الأمين والشيخ آغا بزرك الطهراني[94] من المتأخرين[95]. ويقول الحموي فى هذا الصدد: وطال تطوافي وكثر تسائلي عن العسكريين: أبي أحمد وأبي هلال فلم ألق من يخبرني عنهما بجلية خبر، حتى وردت دمشق في سنة اثنتي عشرة وستمائة في جمادى الآخرة ففاوضت الحافظ تقي الدين اسماعيل بن عبدالله المصري - اسعد الله بطاعته فيهما -، فذكر لى أن الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني لما ورد إلى دمشق سئل عنهما فأجاب فيهما بجواب لا يقوم به إلأ مثله من أئمة العلم وأولي الفضل والفهم، فسألته أن يفيدني فى ذلك ففعل متفضلاً، فكتبته على صورة ما أورده السلفى، غير المولد والوفاه...[96] ولعل هذا يصدق على أبي هلال ولا يصدق على أبي أحمد كما هو الحال فى ترجمتهما. وعلى كل حال فلعل أقدم من كتب وترجم لأبي هلال بتفصيل اكثر من غيره، هو، ياقوت الحموي، والذي لم يترجم له مفصلاً كما ترجم لسميّه أبى أحمد ومن جملة ما قال: سألت الرئيس أبا المظفر محمد بن أبي العباس الأبيوردى، رحمه الله، بهمذان عنه، فأثنى عليه ووصفه بالعلم والفقه معاً. وقال: كان - أبو هلال - يبرز- أو يبزز- احترازاً من الطمع والدناءة والتبذل وذكر فيه فصلاً هو في سؤالاتي عنه. وكان الغالب عليه الأدب والشعر[97] ولم يذكر - الحموي - ما جرى بينه وبين أبي العباس الأبيوردي حول أبي هلال، بل اكتفى بذكر ما نقلناه عنه، وأورد بعد ذلك مؤلفاته ونتفاً من اشعاره. أمّا تقلب الرجل في الحياة، وتصرفها فيه وتصرفه فيها، فلا نكاد نعرف عنه إلأ القليل وليس في ما روى الرواة شيء عن تفصيلات هذه الحياة. ولكن الشعر - كما يقال - لسان حال الشاعر ومرآة تعكس إحساساته وشعوره وما يدور في خلده في أفراحه وأتراحه. ومن خلال أشعاره ونفثات صدره، نفهم أن أبا هلال كان مع علمه وفضله ضيق الحال، يعيش في ضنك من العيش، إذ لم يكن يملك ما يكفيه للعيش بهناء أو ما يسد رمقه، لذلك اضطر الى اللجوء للكسب عن طريق بيع وشراء الكتب وغير ذلك فى السوق و قد قال الباخرزي فى هذا الصدد: بلغني أن هذا الفاضل - أباهلال - كان يحضرالسوق ويحمل إليها الوسوق، ويجلب در الرزق بأن يبيع الأمتعة ويشتري، فانظر كيف يحدو الكلام ويسوق! وتأمل! هل غض من فضله السوق؟. وكان له في سوقة الفضلاء أسوة، وكأنّه استعار منهم لأشعاره كسوة، وهم نصر بن أحمد الخبر أرزي وأبو الفرج الوأواء القاضي الدمشقي والسري الرفاء الموصلي...[98] وكان - أبو هلال - يرى نفسه مع منزلته العلمية وفضله قياسأ بغيره من معاصريه ممن هم دونه علماً وأدباً، قد فتحت الدنيا لهم أبوابها وخزائنها وأفاضت عليهم بخيرها ونعيمها، وهو على ما هو عليه من قلة اليد والمال وضيق الحال و قد عبر عن سخطه على الدنيا وعلى نفسه بقوله:أرى الدنبا تميل إلى أناس *** لِئام ما لنا فيهم صلاح
بقيت كطائر فى قبض باز *** جريح الجسم هيض له جناح[99]
ولكنه مع كل ذاك الضيم وضنك العيش، أبى عليه علو طبعه وحياؤه وكرامته وصون ماء وجهه أن يبذله في استجداء الموسرين ومدح الوزراء والحكام والخضوع لهم. وهذه شيمة العلماء الذين يعرفون قدر منزلتهم ويحافظون على كرامتهم وكرامة العلم الذي ينتسبون إليه لذلك نراه يتجه إلى الأسواق يلتمس الرزق من كد يمينه، ببيع البز وغيره ونراه يشكو ذلك بقوله:إذا كان مالي مال من يلقط العجم *** وحالي فيكم حال من حاك أو حجم
فأين انتفاعي بالأصالة والحجى *** وما ربحت كفي من العلم والحكم
ومن ذا الذي فى الناس يبصر حالتي *** فلا بلعن القرطاس والحير والقلم[100]
فبرم الحياة وسئم الناس الذين لم يقدروه. وإن الحياة التى اضطرته إلى هذا النوع من العيش وساقته إلى هذا النمط من العمل أثارت حفيظته وأظهرت ما انطوى عليه سره وخلجت به نفسه فظهرت على لسان شعره:جلوسى في سوق أبيع وأشتري *** دليل على أن الأنام قرود
ولا خير فى قوم يذل كرامهم *** ويعظم فيهم نذلهم ويسود
ويهجوهم عنّي رثاثة كسوتي *** هجاء قبيحاً ما عليه مزيد[101]
وقوله ايضأ:لا يغرنكم علو لئيم *** فعلو لا يستحقّ سفال
وارتفاع الغريق فيه فضوح *** وعلو المصلوب فيه نكال[102]
وأخيرآ وليس آخرآ، نورد فى هذا الباب ما انشده مخاطبآ نفسه:
ولقلة الكرماء أنت مضيتع *** ولكثرة الجهال أنت غريب
تا الله لم تخطئك اسباب الغنى *** إلا لأنّك عاقل وأديب
ويقول ايضأما بال نفسك لا تهوى سلامتها *** وأنت في عرض الدنيا ترغبها
دار إذا جاءت الأمال تعمرها *** جاءت مقدمة الاجال تخربها
أراك تطلب دنيا لست تدركها *** فكيف تردك أخرى لست تطلبها[103]
* * *
هذا ما وقع بين ايدينا عن حياة أبى هلال، ومن خلال شعره المنثور هنا وهناك وكأن الزمان والناس اجتمعا على حرب الرجل حيّاً[104] وميتاً. ولكنه استطاع بفضل ما خلف من آثاره العلمية وما صنف من الكتب في مختلف مجالات الأدب وفي الميدان القرآني، وميادين أخرى، أن يخلد نفسه رغم مشيئة الحوادث والأقدار والمؤرخن واصحاب التراجم. فمضى الزمان ومضى المؤرخون والمصنفون، وبقى أبوهلال حياً من خلال تصانيفه الباقية، وآثاره الخالدة، فالعلماء باقون مابقي الدهر، كما يقول الشاعر الناس موتى وأهل العلم أحياء[105]أساتذة أبو هلال العسكري و شيوخه
كل من ترجم لأبى هلال مفصلاً، ذكر ما قاله الحموي من آنه كان تلميذ خاله أبي أحمد ولم يزيدوا عليه شيئاً[106]. وكأنّ أبا هلال لم يتلمذ إلا لأبي أحمد والله أعلم. ويؤيد الدكتور طبانة ذلك بقوله: إن أبا أحمد يكاد يكون الأستاذ الأوحد لأبي هلال، وصاحب الأثر البعيد فى تكوينه، مع اختلاف الرجلين في منحى التفكير...، ولأنه عاش فى القرن الرابع الذى عاش فيه أبوهلال[107] ويستدل على ذلك بدليلين: الأول: ما ذكره اصحاب تراجم الرجال معتمدين على ما نقله الحموي فى ترجمته لأبي هلال عن ابي طاهر السلفي الذي يقول وكان لأبي أحمد تلميذ وافق اسمه اسمه واسم ابيه اسم ابيه، وهو عسكري ايضأ. والثاني: ما صرح به أبوهلال فيما وقع بين أيدينا من مؤلفاته، ولا سيما في أعضم كتبه تداولاً لموضوعنا ككتابي الصناعتين وديوان المعاني، فهو لا يفتأ يذكر أبا أحمد في اكثر صفحات هذين الكتابين في مثل قوله: اخبرني أبو أحمد...، حدثني أبو أحمد...، أنشدني أبو أحمد...، روى أبو أحمد...، إلى غيرها، وأمثالها من العبارات التي تدل على الإفادة الواضحة والأخذ الصريح من علم أبي أحمد، سواء أكان علم رواية أم علم دراية[108] ولعل اشتهار أبي أحمد في القرن الرابع بالفضل والعلم والصيت طغى وغطى على أخبار أبي هلال. و الدليل على ذلك أن الحموي من المتقدمين، ترجم لأبي أحمد في كتابه بتفصيل أكثر مما ترجم لأبى هلال[109] و كذلك نرى أن بعض المصنفين والمؤرخين أو أصحاب التراجم من المتقدمين والمتأخرين في كتابه أو موسوعته ترجم لأبي أحمد ولم يترجم لأبي هلال[110] وبعضهم الأخر، يذكر في ترجمة أبي هلال قصة أبي أحمد العسكري مع الوزير الصاحب بن عباد، كالشيخ عباس القمي بقوله: وبالجملة، هو تلميذ سميّه أبي أحمد الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكري. وقيل: أنه ابن أخت أبي أحمد العسكري.وأبو أحمد المذكور أحد الأئمة في الأدب والحفظ...، وله تصانيف، منها: كتاب المختلف والمؤتلف...، ثّم يعقب على ذلك بقوله: يحكى أن الصاحب بن عباد كان يودّ الاجتماع به - أبي أحمد - ولا يجد إليه سبيلا، فقال لمخدومه مؤيد الدولة بن بويه أن عسكر مكرم قد اختلت أحوالها، وأحتاج ألى كشفها بنفسي فأذن له في ذلك. فلما أتاها توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور، فلم يزره. فكتب إليه الصاحب:ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم *** ضَعُفنا فلم نقدر على الوخدان
أتيناكم من بعد أرض نزوركم *** وكم منزل بكر لنا وعوان
نسائلكم قل من قرى لنزيلكم *** بملء جفون لا بملء جفان
وكتب مع هذه الأبيات شيئأ من النثر، فجاوبه أبو أحمد عن النثر بنثر مثله، وعن هذه الأبيات بالبيت المشهورأهم بأمرالحزم لو أستطيعه *** و قد حيل بين العير والنزوان
فلما وقف الصاحب على الجواب، عجب من اتفاق هذا البيت له، وقال والله لو علمت انه يقع له هذا البيت لما كتبت أليه على هذا الروي وهذا البيت لصخر بن عمرو بن الشريد أخي الخنساء الشاعره المشهورة. وهو من جملة أبيات مشهورة.... وبعد ذلك، ذكر الكلام حول نسبة العسكري إلى: (عسكر مكرم)، ثّم استطرد إلى موضوع أخر لا علاقة له بالترجمة، بقوله: أقول: وفي الإثنى عشرية المنسوبة إلى الخواجة نصير الدين عبر عن موسى ابن جعفر (ع) بقائد العسكر و الجيش...، وهذه قصته بنقل ابن شهر آشوب: حكي أن المنصور تقدم إلى موسى بن جعفر (ع) الجلوس للتهنئة في يوم النيروز...[111] واكتفى فى ذكر شيوخه بما قاله الحموي. ولم يذكر الحموى غير أبى أحمد استاذاً لأبي هلال. أمّا الذين جاءوا بعده، وترجمو لأبي هلال لم يتطرقوا لهذا الموضوع، وإذا تعرضوا، لم يزيدوا على ما قاله الحموي شيئاً. أما الدكتور طبانة من المتأخرين المعاصرين فقد زاد على ذلك بقوله: ومن اساتذته أيضاً عمّ أبيه، أبو سعيد الحسن بن سعيد، الذى كان أحد أعلام عصره وشيوخه، روى عنه أبوهلال[112]. ويضيف قائلا: ويبدو أن والده أيضاً كان شيخاً من شيوخ العلم، أورثه حبّه، وإن كنّا لا نجد خبراً صريحأ في كتبه أو رواياته، يدلّ على تلمذة أو أخذ صريح، وإنما وجدنا في بعض ما كتب ما يدل على شيء من الافادة، كقوله[113]: "وجدت بخط أبى رحمه الله: قال القناني: القداحة بقية تبقي في القدر من المرق، وفي الزكوة... " نقلا عن كتاب المعجم في بقية الأشياء، ولعل في هذا ما يدلّ على أنه لم يدرك أباه، أو إنه مات قبل أن يستطيع أبو هلال الأخذ عنه، والتلقى عليه.من روى عنه
قال الحموي: ومن جملة من روى عنه: أبو سعد السّمان الحافظ بالريّ وأبو الغنائم بن حماد، المقرء أملاء[114] ونقل ذلك عنه صاحب أعيان الشيعة[115] وقال السيوطى والداودي، روى عنه أبو سعد السّمان وغيره[116]ولادة أبو هلال العسكري و وفاته
يقول دكتور طبانة: والذين تعرضوا لترجمته لم يخبرونا بتاريخ مولده، على الرغم من تحديدهم مولد أبي أحمد تحديد استقصاء: يوم الخميس لست عشرة ليلة خلت من شوال، سنة ثلاث وتسعين ومائتين، فإنهم لم يظفروا حتى بتاريخ تقريبي لمولد أبي هلال. على أن من الممكن أن نحدّد تاريخاً تقريبياً لمولده، إذا علمنا أن وفاته كانت سنة خمس وتسعين وثلثمائة، وهي السنة التي فرغ فيها من تأليف كتابه الأوائل... وأن سنّه إذ ذاك كانت خمساً وثمانين سنة، كما أنشد لنفسه قبيل و فاته:لي خمسٌ وثمانون سَنَّه *** فإذا قدرتها كانت سِنّه
ان عمر المرء ما قد سره *** ليس عمر المرء مرُّ الأزمنة
كـان فى استطاعتنا أن نحدد سنة مولده سنه عشر وثلثمائة على وجه التقريب[117]. وأمّا وفاته - كما قال الحموى - فلم يبلغني فها شيئ، غير أني وجدت في آخر كتاب الأوائل من تصنيفه: وفرغنا من إملاء هذا الكتاب يوم الاربعاء لعشر خلت من شعبان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة[118]. واعتمد قوله هذا بعض من ترجم لابي هلال ممن جاء بعده[119]، كالسيوطي في كتابه بغيه الوعاة[120] ولكنه في كتابه الآخر، قال في هذا الصدد: مات بعد الاربعمائة[121]، دون أن يذكر سندأ لذلك، وعد بعضهم ماقاله الحموي، تاريخ وفاته، كما قال السيد حسن الصدر في كتابه: أبو هلال العسكري صاحب الصناعتين المتوفى سنة ۳۹۵ هـ[122] و قد نبه على ذلك السيد الامين[123] وحسب البجاوي أن ما ذكره الحموي في صدد وفاته، هو تاريخ وفاته، بقوله: ويرى ياقوت أنه توفى سنة خمس وتسعين وثلثثمائة[124]مؤلفات أبو هلال العسكري
حقأ يعدّ أبو هلال من العلماء الذين أثروا المكتبة الاسلامية والثقافة العربية وأغنوها بنتاجهم العلمى، بما كان يتمتع به من خيال خصب وباع طويل فى علوم اللغة العر بية و العلوم الاسلامية. و قد اختلف المترجمون وأصحاب الموسوعات والمعاجم فى تعداد كتب أبي هلال، كما اختلفوا في أسمائها فمنهم من يذكر له كتاباً باسم ويذكره آخر باسم آخر، ومنهم من ذكر قسماً من مؤلفاته ومصنفاته، ويذكر مصنفات أو رسائل لم يذكرها غيره ومنهم من لم يذكر شيئآ من مصنفاته ومؤلفاته، كما سنبين ذلك في ما يلي: إن أول من ترجم لأبي هلال هو أبو الحسن الباخرزي (ت ۴۶۷ هـ) و قد ذكر قسماً من اشعارهالتي تصف حاله وطرفا من حياته، وأما حياته العلمية ومؤلفاته ومصنفاته فلم يذكر شيئاً عن ذلك[125] وأول من ترجم لأبي هلال مفصلاً، وذكر أكثر مؤلفاته ومصنفاته، هو ياقوت الحموى و قد ذكر من مؤلفاته سبعة عشر مصنفاً، ذكر اثنين منها عن شيخه أبي طاهر السلفي بقوله: سألت: الرئيس أبا المظفر محمد بن أبي العباس الأبيوردي - رحمة الله - بهمذان عنه، فأثنى عليه ووصفه بالعلم والفقه معاً، ... وذكر فيه فصلاً هو من سؤالاتي عنه، وكان الغالب عليه الادب والشعر. وله في اللغة كتاب سماه: ۱ - التخليص، وهو كتاب مفيد. ۲ - وكتاب صناعتي النظم والنثر، وهو أيضأ كتاب مفيد جداً.وقال الحموي بعد ذلك: وله من الكتب بعد ما ذكره السلفي: ۳ - كنائب جمهرة الامثال. ۴ - كتاب معاني الأدب. ۵ - كتاب من احتكم من الخلفاء الى القضاة. ۶ - كتاب التبصرة، وهو كتاب مفيد. ۷ - كتاب شرح الحماسة. ۸ - كناب الدرهم والدينار. ۹ - كتاب المحاسن فى تفسير القرآن، خمس مجلدات. ۱۰ - كتاب العمدة. ۱۱ - كتاب فضل العطاء على العسر ۱۲ - كتاب ماتلحن فيه الخاصة ۱۳ - كتاب اعلام المعاني في معاني الشعر. ۱۴ - كتاب الأو ائل. ۱۵ - كتاب ديوان شعره. ۱۶ - كتاب نوادر الواحد والجمع ۱۷ - كتاب الفرق بين المعاني[126]. وجاء السيوطي، و قال: وله من التصانيف كتاب صناعتي النظم والنثر مفيد جداً ثّم ذكر عشرآ من مؤلفاته التي ذكرها الحموي كما يلي: ۱ - التلخيص من اللغة ۲ - جمهرة الامثال ۳ - شرح الحماسة ۴ - من احتكم من الخلفاء إلى القضاة ۵ - لحن الخاصة ۶ - الأوائل ۷ - نوادر الواحد والجمع ۸ - تفسير القرآن ۹ - الدرهم والدينار ۱۰ - ديوان شعره وغير ذلك. وأضاف اليها كتاباً آخر بإسم (رسالة في العزلة والإستيناس بالوحدة)[127] واكتفى بذكر ستة من كتب ابي هلال فى كتابه الآخر وهي: ا- التفسير فى خمس مجلدات ۲- الأوائل ۳- الصناعتين في النظم والنثر ۴ - الامثال، ۵ - شرح الحماسية ۶ - ديوان شعره[128] وجاء بعده الداودي وقال: وله كتاب صناعتى النثر... ونقل ما ذكره السيوطي في كتابه بغية الوعاة من مؤلفات أبي هلال، عدا كتاب تفسيرالقرآن المعروف بـ المحاسن[129] وجاء بعدهما عبد القادر البغدادي، ونقل ماذكره الحموي عن كتب أبي هلال مع تغيير في اسم أحد كتبه، حيث ذكر كتاب أبي هلال (فضل العطاء على العسر) هكذا: (فضل الغنى على العسر)[130] وأما اصحاب التراجم والموسوعات من المعاصرين، فقد نقل السيد الأمين ما ذكره الحموي بدون تغيير فى الترتيب والإسم، ولكنه قال بعد الكتاب السابع عشر وزاد صاحب بغية الوعاة : رسالة في العزلة والإستيناس[131] و قد ذكر اسماعيل باشا البغدادي، لأبي هلال سبعة عشر مصنفآ، هي التى ذكرها الحموي مع بعض التغيير في بعض كتبه، فمثلاً: يذكر كتاب الصناعتين هكذا: المختصر في صناعة النظم والنثر، وكتاب أعلام المعاني في معاني العشر[132] وذكر كتاباً لم يـرد اسمـه عند غيره، وهو: كتاب الوتر، بدلا من كتاب : من احتكم من الخلفاء الى القضاة[133]. ولم يذكر عمر رضا كحاله سوى خمسة من مؤلفات ابي هلال ممّا ذكروه بقوله: من تصانيفه الكثيرة: ۱ - كتاب الصناعتين في النظم ۲ - المحاسن في تفسير القرآن ۳ - جمهرة الامثال ۴ - معاني الادب ۵ - ديوان شعر[134] وأما الزركلي، فقد ذكر عشرون كتاباً ومصنفا له، خمسة عشر منها مما ذكرها الحموي، وخمسة كتب لم يذكرها الحموي وهى: ۱- التفضيل بين بلاغتي العرب و العجم. ۲ - كتاب أسماء بقايا الأشياء ۳ - كناب المصون فى الأدب. ۴ - كتاب معجم في اللغة. ۵ - رسالة الحث على طلب العلم و قد انفرد بذكر هذا الكتاب من مؤلفات أبي هلال[135] وأما الكتابان اللذان لم يذكرهما، هما ا - كناب أعلام المعاني في معاني الشعر. ۲ - كتاب نوادر الواحد والجمع. ولعل كتابين من الكتب التي ذكرها، هما كتاب واحد، وهما: ۱ - كتاب معجم في اللغة ۲ - كتاب أسماء بقايا الأشياء، باسم: كتاب المعجم في بقية الاشياء كما ذكر ذلك الدكتور طبانة[136]، وغيره وأما تعداد كتب ومؤلفات أبي هلال التي ذكرها الدكتور طبانة، فهي تسعة عشر مصنفأ و قد ذكر خمسة عشر كتابا مما ذكرها الحموي، واربعة لم يذكرها وهي: ۱ - كتاب المعجم في بقية الأشياء، طبعة دار الكتب المصرية سنة ۱۹۳۴م ۲ - كتاب المصون في الأدب ۳ - رسالة في العزلة والإستئناس بالوحدة. ۴ - كتاب شرح ديوان أبي محجن الثقفي، و قد انفرد في عدّه من مصنفات أبي هلال[137] و أخيرا، ترجم سركيس لأبى هلال، وعدّ ستة كتب له، وهي: ۱ - النفضيل بين بلاغة العرب والعجم[138] ۲ - كتاب جمهرة الأمثال. ۳ - كتاب الصناعتين، - الكتابة والشعر. ۴ - كتاب الكرماء، مطبعة الشورى، سنة ۱۳۲۶ هـ، في (۴۴) صفحة. (و قد انفرد سركيس بذكر هذا الكتاب - الكرماء -، لأبي هلال). ۵ - كتاب معجم في بقايا الأشياء. ۶ - كتاب مختصر الفروق، وقال فى شرحه: هـو مختـصر كتـاب الفروق، لأبى هلال العسكري، لم يعلم مؤلفه، طبعة بولاق - بالقاهرة سنة ۱۳۲۳ هـ و يشير إلى ديوان أبي محجن بقوله: له: شرح ديوان أبي محجن الثقفي[139]. أما الكتاب الأول، فقد أشار إلى أنه من تصنيف أبي أحمد العسكرى، المصرح به في أؤل النسخة الخطية كما أشار إلى ذلك الدكتور طبانة مفصلا[140]. و أما ما وصلنا من مصنفات أبي هلال والمطبوع منها، فيقول الدكتور طبانة: والمطبوع المتداول من هذه الكتب ثلاثة: أولها وأشهرها كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر. و قد طبع الكتاب في مصرعدّه طبعات، ومنها طبعة دار إحياء الكتب العربية، بتحقيق الأستاذين علي محمد البجاوي ومحمد أبوافضل إبراهيم. وثاني هذه الكتب، كتاب ديوان المعاني، أو معاني الأدب، و قد عنيت بطبع هذا الكتاب ونشره مكتبة القدسي بالقاهره سنة ۱۳۵۲ هـ، بتحقيق وتصحيح المستشرق الأستاذ الدكتور كرنكو. الثالث، كتاب المعجم في في بقية الأشياء، طبعته مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، سنة ۱۳۵۳ هـ - ۱۹۳۴ م[141] ومن مصنفات أبي هلال التى طبعت ولم يذكرها الدكتور بدوى طبانة: ۱ - كتاب التلخيص في معرفة أسماء الأشياء، تحقيق الدكتور عزت حسن، طبع في دمشق سنة ۱۳۸۹ هـ - ۱۹۶۹ م، وهو من سلسلة مطبوعات مجمع اللغة العربية. ۲ - كتاب الأوائل، تحقيق محمد الوكيل، طبعة المدينة المنورة سنة ۱۹۶۶م، وحققه ثانية الأستاذان محمد المصري و وليد قصاب، وطبع بدمشق سنة ۱۹۷۵م. ۳ - الفروق اللغوية، الطبعة الأولى بالقاهرة، سنة ۱۳۵۳ وأخيراً طبع بالأوفست فى قم على الطبعة المصرية وحققه الأستاذ عادل نويهض. وطبع سنة ۱۳۹۳. ۱۹۷۳. ولكنه - الدكتور طبانة - فى تعداد أسماء كتبه ومصنفاته أشار إلى أن كتاب جمهرة الأمثال طبع مرتين، الأولى في بومباي سنة ۱۳۰۶ هـ والثانية بالقاهرة على هامش كتاب أمثال الميداني سنة ۱۳۱۰ هـ.* * *
ولو ألقينا نظره على مؤلفات أبي أحمد ومصنفات أبي هلال أمكننا القول بأن أبا هلال حاول أو لعله أراد - في بعض ما صنف - أن يجاري أو يبارى سميّه وخاله أبا أحمد العسكري فمن ذلك مثلاً، نرى أن أبا أحمد مصنف كتاب صناعة الشعر، وألف أبو هلال كتاب الصناعتين النظم والنثر وألف أبو أحمد كتاب الأمثال و الحكم، وصنف أبو هلال كتاب جمهرة الأمثال. وصنف أبو أحمد كتاب تصحيح الوجوه والنظائر[142]، وألف أبو هلال كتاب الوجوه والنظائر. والكتاب الأخير - الوجوه والنظائر - لم يذكره كل من ترجم له، وذكر كتبه. لا من المتقدمين ولا من المتأخرين، مع علمنا أنهم كانوا يحرصون على ذكر كل ما يعرفونه عن صاحب الترجمة وعن مصنفاته ومؤلفاته. و كذلك لم يذكره المصنفون والمؤوخون وأصحاب الموسوعات التي تعنى بإحصاء العلوم وكتبها ومؤلفيها أمثال محمد بن إسحاق النديم[143] وحاجى خليفة وآغا بزرك الطهراني وغيرهم. أقا المستشرقون الذين اهتموا بدراسة الاسلام وعلومه واللغة العربية وآدابها، فكذلك لم يذكروا كتاب الوجوه لأبي هلال إلا فؤاد سزكين. ومما يثبت أن كتاب الوجوه والنظائر لأبي هلال، هو ذكره وإرجاعه في تضاعيف الكتاب إلى مؤلفاته الأخرى[144]. وقال فؤاد سزكين في هذا الصدد: أنه أبا هلال نقل عن كتاب الوجوه والنظائر في كتاب الفروق اللغوية[145] ولعله، لولا وجود الكتاب بين أيدينا، لما علمنا به، ولأنكرنا - نحن - وجوده أيضاً.كتاب الوجوه و النظائر
من سبرغور اللغة العربية وغاص في بحارها وأنهارها وخرق أوديتها وسهولها، وجدها خلاف اللغات الأخرى من حيث السعة و الشمول و العمق، إذ أن لها من الخصائص والمميزات ماليس لغيرها من اللغات، وإن علومها بلغت عشرة ونيفاً في مختلف جوانب اللغة. وإن من أجلّ وأعظم افتخارات اللغة العربية أن الله جل وعلا أنزل معجزته الخالدة وآخر كتبه السماوية باللغة العربية، الكتاب الذي حفظ لها أصالتها وتاريخها، وصانها من التغيير والتبديل بعد ما ضمن حفظ القرآن وبقائه بين البشرية. ولذلك نرى أن العلماء والباحثين والمحققين من المسلمين وغيرهم، ومن العرب والعجم اهتموا وأولوا اللغة العربية وعلومها عناية خاصة وصنفوا الكتب والرسائل والموسوعات في اللغة العربية والتي هي لغة القرآن الكريم. ومن المواضيع التي أكثروا فيها البحث والتحقيق: علم البلاغة والبيان، إذ أن القرآن الكريم هو في أعلى مستوى كلام العرب وأوجه، منذ الجاهية وحتى اليوم والى الابد (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبِىّ مُبِين)[146]، لإحتياج كل من أراد فهم الإسلام والعمل به إلى هذه العلوم وسائر علوم العربية. وإن عدم العلم والإطلاع على هذه العلوم يسبب الخطأ والوهم والإشتباه في فهم النصوص والآيات القرآنية والتي بنيت عليها العقيدة الإسلامية، ومنها تستنبط الأحكام والعبادات الإسلامية. وبسبب تعدد معاني اللفظ الواحد واشتراك المعاني، وأحياناً تضاد المعاني مع اشتراكها في اللفظ، انقسم المسلمون إلى فئات وأحزاب ومذاهب، كل فرقة تدعي الحق والصواب وتنسب الخطأ والإنحراف الى الفرقة الأخرى وتكقرها وتتهمها بالضلالة والعمى، والبغى والشرك. كل ذلك بسبب عدم فهمهم وبسبب تأويلهم حسب ما يفهمون الآيات والنصوص القرآنية. والحال أن القرينة والسياق هما اللذان يعينان أي المعاني للفظ الواحد، هو المقصود في الآيات القرآنية. (والسياق لا يقوم على كلمة تنفرد وحدها في الذهن، إنما يقوم على تـركيب يوجد الارتباط بين اجزاء الجملة فيخلع على اللفظ المعنى المناسب[147] وبناء على هذا لايجد المضطلع الخبير باللغه العرببأ وعلومها، عناءً ولا تكلفاً في فهم معنى (القرء) وأي المعنيين قصد في الآية الكريمة:(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)[148]. و كذلك لا يجد كبير عناء في فهم لفظ (الغروب) يتكرر ثلاث مرات فى ثلاثة أبيات على قافية واحدة، مشتركة فى اللفظ مختلفة في المعنى في قول الشاعر:
يا وح قلبي من دواعي الهوى *** اذا رحل الجيران عند الغروب
أتبعتهم طرفي و قد أزمعوا *** ودمع عيني كفيض الغروب
كانوا وفيهم طفلة حرّة *** تفتر عن مثل أقاحي الغروب
فليس متعذراً أن يفهم من وحي السياق أن (الغروب) الاول غروب الشمس، والثاني جمع : غرب، وهو الدلو العظيمة المملوءة ء والثالث، جمع: غرب، وهو الوهاد المنخفضة[149] و قد يصعب على البعض معرفة المتّفق لفظاً والمختلف معنى وتمييزه عن غيره من الألفاظ و كذلك الحال مع الآضداد لكثرة استعمال المجاز والكناية والإستعارة في اللغة العربية و قد عرف السبوطي الأضداد، بقوله: هو نوع من المشترك اللفظي، ومفهومهما إما أن يتباينا، بأن لا يمكن اجتماعهما لواحد في زمن واحد، كالحيض والطهر، فإنهما مدلولا (القرء).... وقال إليكا في تعليقه: المشترك يقع على شيئين ضدّين، كالجون وجلل[150] وأمّا المشترك اللفظي الذي يقع على معنيين مختلفين، فهو ليس من الأضداد، كما توهم الدكتور احمد مختار عمر[151]، وفهم من كلام سيبويه، أن: اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين[152] هو من الأضداد، حيث أنه - الدكتوو أحمد مختار- عقب على ذلك بقوله: وتعد الأضداد من هذا النوع الذى اتفق فيه اللفظان واختلف المعنيان، وهو نوع من المشترك اللفظي يكون المعنيان فيه ضدين[153] والحال أن سيبويه لم يقصد من قوله: اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، الأضداد، وإنما قصد به المشترك اللفظي الذي يقع على معنيين مختلفين وفسره بعد ذلك بقوله: واتفاق اللفظين والمعنى، قولك: وجدت عليه من الموجدة، ووجدت إذا أردت وجدان الضالة[154] و قد بحث العلماء وأكثروا التحقيق في هذا النوع من المشترك اللفظي وسموه بـ (الوجوه والنظائر)، وأصبح بعد ذلك علماً قائماً بذاته، وفتحوا له بابا خاصاً في كتبهم ومؤلفاتهم ومصنفاتهم وموسوعاتهم. ولم يفرد بن اسحاق النديم باباً لهذا العلم من علوم اللغة العربية والأسلامية، بينما نرى من المتأخرين المصنف حاجى خليفة يفرد فى كتابه بابا خاصاً بهذا العلم تحت عنوان علم : الوجوه والنظائر، ويقول: وهو من فروع التفسير، ومعناه أن تكون الكلمة واحدة ذكرت فى مواضع من القرآن على لفظ واحد وحركة واحدة وأريد بها في كل مكان، معنى غير الآخر، فلفظ كل كلمة ذكرت في موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر، هو النظائر، وتفسير كل كلمة بمعنى غير معنى الأخرى هو الوجوه. فإذاً، النظائر اسم الألفاظ والوجوه اسم المعاني و قد صنف فيه جماعه منهم الشيخ جمال الدين...[155] ثّم يـذكر مصنـفي ومـؤلفي هـذا الفن، ولايذكر أبا هلال واحداً منهم. و كذلك صاحب الذريعة والسيد حسن الصدر، فهما يذكران كتاب الوجوه والنظائر لأبي الحسن دارم بن قبيصة ابن نهشل الدارمي[156]” ولايذكران - ايضأ - أبا هلال وكتابه: الوجوه و النظائر.ترتيب الكتاب
قد رتب المصنف - أبو هلال - الكتاب على تسعة وعشرين باباً حسب ترتيب حروف العربية، وبدأ بحرف الألف، بقوله: الباب الأول فيما جاء من الوجوه والنظائر، في أوله ألف. وفي هذا الباب أورد المفردات والألفاظ لا على الترتيب، فيذكر مثلاً لفظ : الإمام في أول الباب، ويذكر لفظ بعده: الأخذ ويذكر، لفظ: أجل، بعد: أدنى، وهكذا. ثّم يذكر بعض الألفاظ والمفردات من الأبواب المزيدة، والمبدوءة بهمزة الوصل في نفس الباب، ولا يرجعها إلى أصولها المجردة، لتأتي في أبوابها، مثل: الإستغفار والإستطاعة و الأحزاب و غيرها. أضف إلى ذلك أنه يذكر (الحروف ) (في ما بين ) (الأسماء)، فمثلا ، يذكر بعد لفظ: (الأخ)، (أو) ثّم (أم)، ثّم يذكر بعدها لفظ، (الإذن). و كذلك الأمر في بقية الأبواب. وأما من تقدمه من المصنفين في هذا الفن كمقاتل، فهو لم يذكر الألفاظ والمفردات - الأسماء والحروف - حسب ترتيب الحروف الهجائية، ولم يرتبها في أبواب خاصة، بل يذكر الألفاظ والمفردات لا على التعيين، فنراه يبدأ بلفظ: الهدى، ثّم: الكفر، ثّم: الشرك وبذكر الحروف فيما بين ذلك[157]. وصنف غيره من العلماء في هذا الفن أيضاً كهارون النحوي والدامغاني وابن الجوزي، و...[158] فمنهم من نهج طريق مقاتل في عدم الترتيب، كهارون النحوي. ومنهم من صنفها حسب ترتيبها في حروف الهجاء، ووضع كل لفظة في بابها ومحلها وأرجع الكلمة إلى أصلها الثلاثي كالدامغاني ومنهم من رتبها في أبوابها حسب الحروف الهجائية ولم يرجعها إلى أصولها الثلاثية كالتفليسى. وهم - المصنفون في هذا الفن - في كتبهم يذكرون المفردة أو الكلمة المشتركة لفضا لامعنى في الآيات القرآنية الكريمة ويبينون وجه المعنى المقصود منها في الآية. وجاء السيوطي وصنف في كل فن كتابأ، وكتابه في هذا الفن من الترتيب على خلاف من سبقه من المصنفين، فهو لايذكر المفردات والألفاظ المشتركة في أبوابها ويستشهد بالآيات للمعاني، بل يذكر الآيات التي جاءت فيها الألفاظ مشتركة في الأبواب، ثّم يفسرها مختصرا، ويذكر إن كان لها وجوه أُخَر من المعاني مع تفسيرها. وهو كبعض سلفه حين يضع الآيات في أبوابها، لا يراعي أصولها، بل إنه كثيراً ما يضع الآيات والمفردات كما وردت في القرآن الكريم، من غير أن ينظر إلى هذه الأصول فهو يذكر في حرف الهمزة مثلا: (اعتراك)، (اِ صدع)، (اِ نتبذت من أهلها)، (أسلمت وجهى)، (أقلامهم).... و يذكر في حرف الفاء: (فإن الله هو موليه)، (فلينظر الأنسان)، (فلا يخاف عقباها) وهكذا. فهو يذكر الايات والكلمات لا على التعيين في أبوابها، اضافة الى انه اخر و قدم في نفس الابواب[159] * * * ومما يمتاز كتاب أبي هلال من غيره من الكتب، في هذا الفن أنه: في أول كلّ مادّة ومفردة يتكلم عن أصل الكلمة ومنشيئها واستعمالاتها ومعانيها المشهورة وغير المشهورة[160] ويذكر أحيانأ أمثلة على ذلك ويوضح ويشرح تارة كلمات تأتي في سياق الكلام. ويبين الفرق بين كلمة في السياق ومادة موضوع البحث، تارة أخرى. فمن شرحه وتوضيحه كلمات جاءت في سياق الكلام قوله في تفسير قوله تعالى “و كذلك جعلناكم أمة وسطا»، قال: أي عدلاً وهو من واسطة القلادة وليس من قولهم: هذا شيء وسط، إذا كان بين العالي و المنحط. ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله: “أنا أوسط نسباً» وله وجه آخر، وهو أن الوسط: العدل، وسمّي بذلك لأنه بين غلو الغالي وتقصير المقصر...، والوسط بالإسكان الموضع. والوسط بالتحريك ما بين طرفي كل شىء. وأصل الكلمه - الوسط -: العدل، فالمكان لاعتدال المسافة إلى أطرافه والرجل الأوسط في قومه: الذي تكلله السرف من نواحيه[161] ومن بيانه الفرق بين كلمة في السياق ومادة موضوع البحث قوله في تفسير قوله تعالى (إنا مكنا له في الأرض)، قال: والفرق بين: مكنّاله ومكناه، أن معنى مكنا له: جعلنا له ما يتمكن به في الأرض، ومعنى مكنّاه: أقدرناه على ملك الأرض وقوله: (وترى الأرض بارزة)والمراد أنا نسير الجبال فيجلو منها وجه الأرض، فتراها بارزة، أي ظاهرة لا شيء فيها. ويجوز أن يكون (بارزة) بمعنى مبرزة، أي قد أبرزت جميع ما في بطنها...[162] وأحيانا يتطرق إلى بيان الفرق بين كلمتين ليستا موضوعة البحث ولا علاقة له بموضوع البحث كقوله فى وجوه (الآل) في تفسير قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحآ وآل إبراهيم)قال: يعنى إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، «وآل عمران»، يعني موسى وهارون، اختارهم على عالمي زمانهم. ثّم قال بعده: والفرق بين الولد والذّرّيّة: أن الذّرّيّة يقع على أولاد الرجل الذكور والإناث، وعلى أولاد بنيه وبناته من الذكور والإناث.والدليل على ذلك أن الله تعالى يقول: (ومن ذريته داود وسليمان) ثّم عد عيسى (ع) مع المذكورين. و ولد الرجل هم من ولدهم، لا يدخل أولاد البنات فيهم، لأن أولاد البنات منسوبون إلى آبائهم، قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبنا الرجال الأباعد فأما تسميته -(ص)- الحسن والحسين عليهما السلام ولدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن ذلك شيئ خُصّا به دون غيرهما تكريماً لهما واختصاصا[163] إضافة إلى ذلك، فإنه - المؤلف - كثيرآ ما يستطرد في الكلام من موضوع إلى آخر ويتطرق إلى مواضيع أخرى لا صلة بموضوع البحث أو الوجه والمعنى الذي ذكره في أول الوجه. فمن ذلك مثلاً قوله فى تفسير قوله تعالى: (وأولي الأمر منكم) قال: قيل: يعنى العلماء، وقيل يعنى السلطان، ... وقال ابن عباس: - هم - أولو الفقه في الدّين وقال أبو علي رحمه الله: الائمة وأمراؤهم وليس هم العلماء إلا أن يكونوا أسراء وقال: “فردّوه إلى الله والرسول» أي إلى الكتاب والسنة، لأنهما من الله و الرسول وفيه دليل على أن الإمامة ليست بحجة. وفيه دليل أيضاً على صحة القياس، ولكن يوجد أصل كل شيئ فيهما أو في أحدهما. فأمر بحمل الفروع على الأصول الموجوده فيهما، ليظهر أحكامها. ولا يتأتى ذلك إلا بالقياس والآية عموم في وجوب الرّد إلى الكتاب والسنة في حياة الرسول. وبعد وفاته، الذي يقتضيه فحوى الكلام، الرد إليهما فيما لا نص له. لأنّ المنصوص عليه لا احتمال فيه لغيره ولا يقع فيه التنازع من الصحابه مع علمهم باللغة ومعرفتهم بما فيه إحتمال مما لا احتمال فيه[164]عملنا في هذا الكتاب
لما لم يتيسر لنا العثور على نسخ أو نسخة أخرى للكتاب، اضطررنا الى الاعتماد على النسخة التي في أيدينا لتحقيق الكتاب. و قد اعتمدنا في مقابلة الكتاب والتحقيق في ألفاظه ومعانيه، إضافة إلى التفاسير ومعاجم اللغة والكتب الأخرى، على أشباه ونظائر له، وهى: ۱ - كتاب الاشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان، (ت: ۱۵۰ هـ) ۲ - كتاب الوجوه والنظائر لهارون النحوى، (ت: ۱۷۰ هـ) ۳ - كتاب قاموس القرآن للدامغاني، (ت: ۴۸۷ هـ) ۴ - كتاب وجوه القرآن لأبى الفضل التفليسي، (ت: ۵۵۸ هـ) ۵ - كتاب بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادى، (ت: ۸۱۷ هـ) وعلى فصول وأبواب لمؤلفين آخرين لم يصنفوا في هذا الفن كتابا مستقلاً[165] وانما خصصوا فصلا أو قسمآ من كتبهم له، مثل: ۱ - ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن، (ت: ۲۷۶ هـ) ۲ - أبي الفرج ابن الجوزي في كتابه المدهش، (ت: ۵۹۷ هـ) ۳ - السيوطي في كتابه معترك الأقران، (ت: ۹۱۱ هـ) والسيوطي في كتابه معترك الأقران - المطبوع في ثلاثة اجزاء - بحث موضوع إعجاز القرآن في خمسة وثلاثين فصلاً، وخصص الوجه الخامس والثلاثين منه للالفاظ المشتركة. و احتفل بهذا الوجه احتفالاً كبيراً، بقوله: وهذا الوجه من أعظم وجوه إعجازه، حيث كانت الكلمة الواحدة تتصرف إلى عشرين وجهاً، وأكثر وأقل ولا يوجد ذلك في كلام البشر.[166] واستوعب هذا الفصل أكثر من مجلدين.* * *
ويتلخص عملي في هذا الكتاب بالإشارة إلى اختلاف المعاني، واختلاف تفسير الآيات والاستشهاد بها لمعان غير ما استشهد بها أبو هلال مع تكلم الأشباه والنظائر والتفاسير والمعاجم اللغوية. وناقشت أحياناً بعض ما قاله أبو هلال أو استشهد به من الآيات أو فسرها والتي وجدتها غير صحيحة. وفي ارجاعي للمصادر، أشرت مختصراً إلى ما أخذت منه، فبدلاً من أن أذكر مثلاً: جلال الدين السيوطي، كتاب معترك الأقران في إعجاز القرأن، الوجه الخامس و الثلاثون في الألفاظ المشتركة، حرف العين، الآية كذا، اكتفيت بقولي: السيوطي، معترك الأقران، حرف العين، بتفسير الآية. و كذلك فعلت مع سائر الكتب في هذا الفن.وفي كتب التفسير، أذكر اسم الكتاب. والسورة والاية فقط لوجود الطبعات المتعددة لكل تفسير ومع كتب اللغة أيضاً أذكر الكتاب والمادة، وذلك ليسهل الرجوع إلى ما أشرت إليه وأخذت منه، على الباحثين والقراء. ولما كان كتاب الوجوه والنظائر لأبي هلال كبقيه المصنفات في عصره في علوم القرآن والتفسير من حيث الكتابة والتحرير. فإن النص القرآني مختلط عندهم بالتفسير من دون حصر أو تمييز. و كذلك الحديث النبويّ الشريف والشعر، لأنهم غالباً ما كانوا يعتمدون الحفظ للقرآن و رواية الأحاديث والأشعار فلا يحتاجون إلى تعيين الآية والسورة وتخريج الأحاديث والأشعار، لذا ميزنا الآيات وذكرنا رقمها وسورتها، وأخرجنا الأحاديث النبوية، وذكرنا مصدر الأشعار التى استشهد بها المؤلف ما أمكننا ذلك.